الرئيسية / مقالات وآراء / كيف تكون صديقًا لأولادك؟

كيف تكون صديقًا لأولادك؟

تقع تربية الأبناء على الوالدين أولا، ثم على المربين والمؤدبين، وليست التربية أن تطعِم ولدك وتكسوه فقط، فالتربية أعظم من ذلك وأجلّ، يقول الإمام الغزالي: «الصبي أمانةٌ عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرةٌ نفيسة ساذجة، خاليةٌ عن كل نقشٍ وصورة، وهو قابل لكل ما نُقِش، ومائل إلى كل ما يمال به إليه، فإن عُوِّد الخير وعُلِّمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة، وشاركه في ثوابه أبواه وكل معلمٍ له ومؤدِّب، وإن عوِّد الشر وأُهمل إهمال البهائم شقي وهلك، وكان الوزر في رقبة القيّم عليه والوالي له».

أما الأب الذي يكدح في الدنيا وكل همّه أن يوفر لولده المأكل والمشرب الحسن، والملبس الجميل لا غير، مهملًا تربية ولده على الأخلاق الحميدة، فإن ولده يعتبر يتيمًا، وصدق أحمد شوقي حين قال:

ليس اليتيمُ من انتهى أبواه من همِّ الحياةِ وخلَّفاه ذليلًا
إن اليتيم هو الذي تلقى له أمًّا تخلَّت أو أبًا مشغولًا

وقد يقع من الآباء والمربين أثناء تربية أولادهم إفراط أو تفريط، فمثلًا يربي أحدهم ولده على الجبن، وذلك بكثرة تخويفه من الغيلان أو أمثالها، أو يقوم الآخر بتربية ولده على التهور، بل والاعتداء على الآخرين بدعوى أن تلك هي الشجاعة، والأمر على عكس ذلك.

أو يربي أحدهم ولده على الترفه والتنعم فلا يرد له طلبًا، ويقتّر الآخر على ولده أشد التقتير، حتى يشعر ولده بالنقص عن الآخرين.. أو يربي أحدهم ولده بالقسوة والشدة والغلظة، والآخر بالتساهل الشديد، والأمثلة على ذلك كثيرة.

ولكن التوسط في الأمور هو الصواب، فلا إفراط أو تفريط، وكما قيل: «خير الأمور أوساطها».

أثر صداقة الأبناء في التربية السليمة

كل مرحلة سنية لها ما يناسبها من مراحل التربية، وقد فطن لهذا عبدالملك بن مروان فقال: «لاعب ولدك سبعًا، وأدبه سبعًا، واستصحبه سبعًا، فإن أفلح فألق حبله على غاربه».

فآخر مرحلة من مراحل التربية هي الصحبة أو الصداقة، وتكون بعد أن كبر الولد ونما عقله، وأصبحت له شخصيته المستقلة التي يحاول إبرازها وإظهارها بين الناس، وتلك هي مرحلة المراهقة، وهي مرحلة حرجة وحساسة في حياة الأولاد، لأنه يكون متقلب المزاج، حاد الطباع، ويكون التمرد والعناد سمة ملازمة له، ففي هذه المرحلة لا يكون النصح والتوجيه بطريقة الأمر والإلزام؛ لأن الولد قد لا يستجيب، ولكن الصداقة هاهنا هي التي تحل المشكلة، وتجعلك قريبًا من ولدك، يُسِر إليك بمشاكله، يرجو أن يكون عندك الحل لها، فإنك إن لم تقترب منه آنذاك فإنه يبحث عمن يفضفض معه، ويتجاذب معه أطراف الحديث، وقد يكون من يفضي إليه ليس هو الاختيار المناسب، فتقع المشاكل وتزداد.

كيف تصبح صديقًا لابنك؟

يقول أبو الفضل الوليد:
أراني ضعيفًا في الصداقةِ والهوى إذا ضنَّ أحبابي أجودُ وأسمَح
وإن بعدوا عنّي دَنوتُ مُصافحًا وإن أذنبوا عمدًا فأعفو وأصفَح

لقد عرف هذا الشاعر مفاتيح الصداقة، فإن لكل شيء مفتاحًا ينفتح به، فإذا أخطأت المفتاح ظل الباب مغلقًا عليك، وإذا قسوت انكسر المفتاح أو الباب، وعندئذٍ تكون الخسارة، لأنه من الصعوبة أن يعود الأمر كما كان.

وقلنا: إن مرحلة الصداقة تكون في طور مرحلة المراهقة، وهي مرحلة التمييز لدى الأولاد التي يشعرون فيها بذواتهم، ويريدون أن يظهروا بين زملائهم بأحسن لباس وأجوده، فهنا على الوالد الصديق ألا يبخل على ولده، أو يظنه طفلًا فيختار له ما لا يرغب ولده فيه.. وهذه بعض الأمور التي نرى أنها تجعل الآباء أصدقاء لأولادهم :

1- اترك له مساحة من الحرية، فالطفل في مراحله المتقدمة مثلًا يلبس ما يُلبسه إياه أبواه، وما يشتريانه له، ولكن هاهنا اترك لولدك حرية الاختيار، مع التوجيه غير المباشر، إن وجدتَ سوءًا في الاختيار.

2- اجعل الحوار سمة الحديث بينكما، فالولد في هذه المرحلة يحتاج إلى من يتجاذب معه أطراف الحديث، فكن أنت أيها الوالد وأيتها الوالدة هذا الطرف، وابدأ أنت مع ولدك فكلّمه عن أخبارك وأحوالك، ومشاكلك في العمل، ورؤيتك للتعامل مع المستقبل، وكيفية تدبيرك للبيت، فلا تكن كأنك محقق مع ولدك، وتريد أن يكتب لك تقريرًا عن حياته ومشاكله، ولكن ببدئك بالحكاية تجد ولدك تلقائيًّا يبدأ في الحديث عن نفسه وعن مشاغله واهتماماته ومشاكله.

3- لا تسفّه آراءه.. فإذا تكلم ولدك معك فلا تسفه رأيه دائمًا، وتظهره دائمًا بمظهر من لا يفهم الأمور ولا يدركها، ولكن وضّح له الأمور، وأظهر له ما كان غافلًا عنه.

4- لا تهوّن من إمكاناته، فولدك في هذه المرحلة يمكن الاعتماد عليه إلى حدٍّ ما، فوسّد إليه بعض الأعمال، وشجعه على أدائها، ولكن لا تظهره بمظهر العاجز الذي لا يستطيع فعل شيء بدونك.

5- شجّعه على تصرفاته الحسنة، فالكلمة لها مفعول السحر، والكلمة الطيبة والثناء الحسن يدفعان ولدك لبذل ما في وسعه لأداء ما طُلب منه، والكلمة المحبطة تقعده عن العمل، وتسبب له جرحًا في نفسه قد لا تداويه الأيام، لذا وسّد له بعض الأفعال التي يقدر على فعلها، ثم شجعه إن أحسن، ولا تعنفه إن أخطأ.

6- إياك والضرب، يخطئ كثير من الآباء الذين لا يزالون يضربون أبناءهم في هذه المرحلة، فالطفل قد تضربه في صغره للتأديب، ثم إن أحسنت إليه وأرضيته نسي ما قد ضرب عليه، ولكن الضرب في هذه المرحلة يترك جرحًا غائرًا قد يدفع الولد للرد على أبيه بغلظة، أو يترك له البيت، أو يزداد في عناده فلا ينتهي عما أمره أبوه بالانتهاء عنه. ثم هل يضرب الصديق صديقه؟ فهذا غير معقول.

7- أشركه في قرارات البيت.. في تلك المرحلة حمّل ولدك المسؤولية، فمثلًا أشركه في قرارات البيت المصيرية كزواج أخته، فتسأله عن رأيه في المتقدم لخطبة أخته، أو تشركه في ميزانية البيت، فيعرف مقدار الدخل فيحاول أن يصرف على قدر الطاقة.

8- لا تحرجه أمام زملائه، فكثيرًا ما يخطئ الآباء بتجريح أبنائهم بالسب والشتم أو الضرب أمام زملائهم، وهذا يجعل الولد ساخطًا على أبيه أو أمه، وعليه.. إذا أخطأ ولدك فعاتبه بنظرة أو بكلمة أو ما شاكل ذلك فإنه يعي الأمر.

9- عامله كما تعامل أصحابه، من المفارقات العجيبة أن الآباء يكونون قريبين من أصحاب أبنائهم، فيشكُون إليهم ويفيضون في الحديث معهم، ويترفقون في الكلام معهم، على العكس مما يفعلون مع أبنائهم، لذا فإن ابنك أولى برفق الحديث ولينه من صاحبه.

تعليقات الفيسبوك

comments

5 تعليقات

  1. العبد الفقير

    الحمد لله
    رغم تناول الاخ/الاخت كاتب المقال موضوعا مهما جدا لعلاقته المباشرة بكل فرد في الحياة، ولتأثيراته التي قد يصعب تغييرها لاحقا. إلا أن هناك ثغرات غفل عنها الكاتب وفقه الله
    لقد استشهد الكاتب باقوال للامام الغوالي يرحمه الله، او لشعراء لكنه للاسف لم يستشهد بآية من كتاب الله ولا بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه عليه.
    كلام ربنا سبحانه في القرآن الكريم، كله تضمن توجيه وتحذير للابناء من العقوق وخطورته وعواقبه، واوجب الطاعة والانصياع للوالدين باستثناء الامر بالشرك فلا طاعة في ذلك لاحد، وكذلك الاحاديث النبوية حثت على الامر نفسه.
    المقال صب جام غضبه على الاباء والامهات، واعتبرهم مسؤولين عن كل خلل، ولم يلمح ولو من بعيد لكثرة العقوق في زمننا وانتشاره، وعجز الاباء امام المد الجارف الفاسد الذي تبثه فضائحيات ولاة العهر وامراء السوء. وهذه ايضا لم يوفق الطاتب في توضيحها لاهميتها.
    الو اطلع المراهقون بهذا المقال لطاروا به فرحا لانه وضع كل اللوم على الوالدين وهذا ليس من الانصاف ابدا.
    حقيقة مقولة او عبارة (اتخذ ابنك او ابنتك صديقا) عبارة مطاطة، قابلة لسوء فهم شديد. انا لست محتاجا لصديق، فعندي منهم الكثير، لكني احتاج الى ابٍ استند عليه بعد الله، والى امٍ اميل اتكئ عليها بعد الله، عند ضعفي، وهذا لا يمكن ان اجده عند كل اصدقائي. ثم ما حدود الصداقة؟؟؟ رأيت بعضهم يقدم السيكارة لابنه لانهما صديقان!!! واحدهم كان يتباهى بانه يتناول الخمر مع ابيه المتفهم المتحضر!!! صدقوني هذه امثلة واقعية. للابوة والامومة مواقع نفسية في حياتنا لا نريد تجاوز حدودها، حتى لا تُخرم مروءة تلك العلاقة الجميلة.
    القائد يجب ان يبقى قائدا وله هيبة في عيون اتباعه، وكلامه مطاعا، وتوجيهاته تنفذ حتى وان كان متواضعا، مؤدبا وهادئا.
    اريد ابي ان يبقى ابي ولا اريد ان اتخذه صديقا وكذلك الحال مع امي. فلكل موقعه في حياتنا واهميته، ولا يمكن لاحد ان يأخذ مكان الاخر او يعوضه. فالاب والام لا يعوضهما اخٍ او اختٍ، ولا صديق او صديقة، ولا زوج او زوجة. لكل مقامه واحترامه وواجبه ودوره في الحياة.
    وشعر ابو الوليد الفضلي الذي استشهد به كاتب المقال لا اظنه في موضوع الابوة او البنوة بل في الصداقة والاصدقاء حصرا
    اعيد القول، ان انتشار العقوق وعدم بر الوالدين هو من يحتاج الى مقالات اكثر وصرامة اشد خصوصا مع التسيب الشديد المستشري في مجتمعاتنا بعدوى من نفايات الغرب الكافر الملحد. لا ابرر ظلم بعض الاباء وقسوتهم لكن ارى ان سد الذرائع اولى والله اعلى واجلّ واعلم واكبر
    وفقكم الله

  2. 🌞عہۣۗہۣۗبہۣۗہۣۗيہۣر الجہۣۗہۣۗنہۣۗہۣۗہۣة🌞 http://t.me/abieraljana5

    http://t.me/abieraljana5
    اللهم صل على محمد وآل محمد

  3. موضوع جميل و محتوى غني ومختصر … شكرا لصاحب المقال

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى