الرئيسية » مقالات وآراء » اتلم المتعوس.. للشيخ حسين بن محمود حول الجامية والجهاد في سوريا

اتلم المتعوس.. للشيخ حسين بن محمود حول الجامية والجهاد في سوريا

 

اتلمّ المتعوس … [حسين بن محمود] 27 ربيع الأول 1435هـ


بسم الله الرحمن الرحيم

اتلمّ المَـــتعوس …

منذ فترة ليست بالقصيرة كتبت بحثاً صغيراً بعنوان “تعريف العامي بالمذهب الجامي” ، ولعلي أذكر هذه المعلومة لأول مرة : بعد نشر المقال راسلني بعض الفضلاء ولاموني على نشر هذه الجرعة الكبيرة من المعلومات والتحليلات في فضح هذه الفرقة ، وعاتبني البعض كيف تغتاب المسلمين وطلبة العلم ، فقلت لهم في ذلك الوقت بأنه ليس في الأمر غيبة ، وأن أكثر هؤلاء ليسوا طلبة علم ، بل هم موظفون في وزارات الداخلية ، وإنما هذا من باب التحذير من هذه الفرقة الضالة التي تُستخدم للطعن في العلماء والمجاهدين باسم العقيدة والتوحيد وطاعة أولياء الأمور .. اليوم أرى بعض هؤلاء الفضلاء ينقلون هذا المقال في المواقع الإجتماعية ويضعون له الروابط لنشره !!

لقد راجعت نفسي مراراً وتكراراً بعد تلك المقالة : هل ما قالوه صحيح فعلاً !! هل وقعت في الغيبة المحرّمة !! كنت أستغفر الله بين الفينة والأخرى ، ولكن ما أن أسمع أحد هؤلاء الجامية يتكلم أو يكتب إلا ويذهب عني ما أجد في نفسي ، وما أن أقرأ كتاباً لهم أو أعيد قراءته إلا وأتيقّن أن ما كتبت غيض من فيض ، وأن الأمر يحتاج إلى كتابات ومقالات ودروس ودراسات تحاول فهم هذه الظاهرة الغريبة الشاذّة ..

قبل أيام حصل أمر جميل : اجتمع ثلاثة كنت أعرف أسمائهم من خلال كتاباتهم ولم أرهم من قبل ، اجتمعوا في قناة معروفة بخلاعتها ومجونها ليتكلموا عن أمر خطير كبير في الدين ، عن ذروة سنام الإسلام ، عن الجهاد في سبيل الله ، وكان الإجتماع بقيادة رجل علماني !! ثلاثة شباب من الجامية وعلماني يناقشون مسألة الجهاد في سوريا والتحريض عليه في قناة الإم بي سي المنحلّة !!

لم أشاهد الحوار كاملاً وإنما سمعت بعضه وقرأت عن بعضه ، والحقيقة أنني لم أتمالك نفسي من شدّة الضحك ، ولست من الذين يضحكون بسهولة ، ولكن للجامية نكهة خاصة ، وهؤلاء الشباب الذين ظهروا في الشاشة أتعبوا مَن بعدهم .. للأسف أن من هؤلاء الظرفاء شاب يُدعى “حمد بن عتيق” وقد قيل لي أنه حفيد العلّامة “حمد بن علي بن عتيق النجدي” صاحب رسالة “سبيل النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك” ، فما أقبح أن يزدري الحفيد جدّه ، وسبحان الذي قضى بأن {يُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} ، ولو أن هذا الولد قرأ بعض كلام جدّه لكفر بالمذهب الجامي ، {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} (الحج : 46) ..

أحدهم من ظرفه يتحدى العريفي والطريفي والعودة والعواجي لمناظرة !! يذكرني هذا بقصة قرأتها في ترجمة الإمام أبي حنيفة النعمان رحمه الله حيث أتاه رجل فقال : إن ها هنا رجل فيه مسّ فلو أتيته ، فقال له الإمام : إذهب بنعالي هذا إليه وقل له : هذا نعال ابي حنيفة ، وإن لم تخرج أتاك أبو حنيفة وضربك به ، فخرج الجني دون مماطلة .. يا ناطح الجبل العالي برأسه ، أشفق على الرأس لا تُشفق على الجبل !!

أتوا بشريط للدكتور سلمان العودة من أيام الجهاد الأفغاني الأوّل وقالوا للناس وعلى الهواء مباشرة : سلمان العودة يحرض الناس على الذهاب لسوريا !! الكل يعلم بأن سلمان العودة كان من الذين زهّدوا الشباب في الجهاد في أفغانستان ضد الأمريكان وفي العراق وسوريا ، وكان هذا سبب الحملة الكبيرة التي شنها المجاهدون ومناصريهم عليه ، وكنتُ ممن ردّ عليه .. عمل الجامية هذا ليس خطأ بريء ، بل هو منهج للجامية الذين يأتون بأي كلام في أي مكان وزمان ويضعونه في المكان والوقت الذي يعجبهم ليثبتوا للناس أن العقل لا يعرف لأدمغتهم طريقا !!

كنت أخاف أن يمكّن الجامية من القنوات الفضائية ، ولكن إن كان التمكين كهذا فالحمد لله .. الناس بعد اللقاء عرفوا من هم الجامية ، وكيف يفكرون ، ومن يموّلهم ، ولصالح من يعملون ، وما هي عقيدتهم ، وما منهجهم ، وإلى أي شيء يدعون ، وكما فضح الله تعالى ياسر برهامي وحزبه الجامي في مصر بعد الإنقلاب ، ها هم جامية نجد يفضحون أنفسهم ..

لا يعنينا ظرف هؤلاء الشباب وجهلهم بقدر ما يعنينا رغبة المخرج من هذا البرنامج ، فقد أرادوا بمثل هذا البرنامج : تجريم التحريض على الجهاد في سوريا ، ولا أعتقد أن المتحدثين علموا أن المخرج أراد هذا ، ولكن الذين صنعوا هذا البرنامج أخبت مما يظن البعض ، فمسألة التركيز على توبة من يحرضون على الجهاد في سوريا ليست عبثاً ، بل هو أمر مقصود ، ولذلك لابد من بيان هذا الأمر حتى لا ينخدع الناس ، فممولوا البرنامج أرادوا أن يجعلوا من يحرض على الجهاد في سوريا في موقف دفاع ، ويعلنوا أنهم لم يحرضوا ، ليصبح التحريض على الجهاد تهمة ، وهذا خبث ومكرٌ لا تستطيعه عقول الجامية ، فهو عمل مخابراتي بالدرجة الأولى ..

لعلي أخاطب أبسط عامي بهذه المسألة حتى تعيها عقول الناس ، فأقول :

الجهاد في الشريعة - كما قال العلماء - ينقسم إلى قسمين : جهاد طلب ، وجهاد دفع ، ومعنى جهاد طلب أن تقصد (تطلب) بلاد الأعداء لفتحها وحكمها بالشريعة ، وهذا ما فعله الصحابة حين فتحوا بلاد فارس والروم وبلاد الهند والسند ومصر وأفريقيا وغيرها لينشروا الإسلام والعدل في الأرض ، وهذا النوع من الجهاد فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط الفرض عن الباقين .. مثال :حاكم مسلم أراد أن يفتح مدينة تابعة للكفار ليحكمها بالشريعة ، وطلب من أهل بلدته أن يمدوه بمائة ألف جندي ، ولكنه لم يحدد الجنود ، فالجهاد هنا فرض على أهل دولته ، فإذا اكتمل العدد وكان كافياً لفتح تلك البلاد كان الجهاد مستحباً وليس فرضاً على بقية أهل البلاد وعلى المسلمين لأن في الخارجين كفاية ، وفي هذا النوع من الجهاد لا يجوز الخروج بغير إذن الحاكم والوالدين والدائن والسيّد والزوج …

أما جهاد الدفع : فهو كإسمه ، الدفاع عن النفس أو عن بلاد المسلمين من العدو ، فإذا هجم العدو أو نوى الهجوم على دولة مسلمة يجب على المسلمين دفعه ، أي يصبح الجهاد جهاد دفع ، وهذا النوع من الجهاد فرض عين على المقصودين من تلك البلاد ، بمعنى أن كل مسلم قادر على القتال يقاتل العدو ، فإذا لم يكفِ مَن في هذه البلاد لصدّ هذا العدو يُصبح الجهاد فرض عين على من هو قريب منهم من المسلمين ، وإذا لم يكفي هؤلاء أو لم ينصروهم يُصبح الجهاد فرض عين على من يليهم ومن يليهم حتى يعم الفرض الأرض كلها أو تحصل الكفاية ويندحر العدو ..
مثال : اليهود احتلوا فلسطين ، فالجهاد فرض عين على المسلمين في فلسطين ، إذا لم يستطع الفلسطينيون طرد العدو اليهودي يُصبح الجهاد فرض عين على المسلمين في الأردن ولبنان وسوريا ومصر ، وإذا لم يستطع هؤلاء طرد اليهود أو لم يفعلوا يُصبح الجهاد فرض عين على المسلمين في تركيا وليبيا وجزيرة العرب والعراق ، وإذا لم يستطيعوا أو لم يفعلوا يُصبح الجهاد فرض عين على المسلمين في الدول التي تليها والتي تليها حتى يحصل طرد العدو اليهودي من فلسطين أو يأثم المسلمون جميعاً بتركهم الجهاد الواجب على كل واحد منهم …. وهذا الجهاد لا يُشترط فيه إذن والدَين ولا وليّ أمر ولا دائن ولا سيّد ، فلا استئذان في فروض الأعيان ، كالصلاة المفروضة والصوم المفروض لا يُشترط استئذان ولي أمر ولا والدَين ولا زوج ولا غيرهم ..

الفرق بين جهاد الطلب وجهاد الدفع : أن الأول فرض كفاية إذا قام به البعض يسقط عن الباقين ، ومثال ذلك : الأذان ، فالأذان فرض على المسلمين ، ولكن إذا قام شخص وأذّن في قرية يسقط الأذان عن الباقين ، وإذا لم يقم أحد بالأذان يأثم جميع من في القرية ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُشرف على القرية بجيشه ، فإذا سمع الأذان كفّ عنهم وإلا أغار عليهم ..
أما جهاد الدفع فهو فرض عين ، بمعنى أنه يجب على الجميع القيام به ، ومثال ذلك : الصلوات الخمس وصوم رمضان ، فلا يجوز أن يقول قائل : صلّى أخي أو صامت زوجتي فلا صيام عليّ ، بل يجب أن يصوم هو ، ويصلي بنفسه ، وفي مسألة الأذان يستطيع الحاكم أن يُعيّن شخصاً للأذان ويقول : لا يُؤذّن غير هذا الشخص ، فهذا ممكن لأن الأذان فرض كفاية ، ولكن الحاكم لا يستطيع أن يقول : لا يُصلي إلا فلان ولا يصوم إلا فلان لأن الصلاة والصوم من فروض الأعيان ، فلا يجوز للحاكم أن يقول هذا ، ولا يجوز للرعيّة أن يُطيعوه إذا قال ذلك ، لأن ترك الصلاة والصوم معصية ، ولا طاعة في معصية ..
إذاً ، في جهاد الطلب يستطيع الحاكم أن يقول : يخرج معي فلان ولا يخرج معي فلان لأنه فرض كفاية كالأذان ، وهذا يدخل ضمن صلاحية الحاكم ، أما في جهاد الدفع فالكل يخرج وإن منعهم الحاكم لأنه فرض عين كالصلاة والصوم ، وليس للحاكم سلطة أن يمنع المسلمين من جهاد الدفع بأن يدافعوا عن أعراضهم ودمائهم أو أعراض المسلمين ودمائهم ، كما ليس له السلطة في منعهم من الصلاة المفروضة والصوم المفروض والزكاة المفروضة ..

وهذه جملة بسيطة من أقوال العلماء في مسألة جهاد الدفع :

قال الجصاص : “ومعلوم في اعتقاد جميع المسلمين أنه إذا خاف أهل الثغور من العدو ولم تكن فيهم مقاومة لهم فخافوا على بلادهم ، وأنفسهم ، وذراريهم أن الفرض على كافة الأمة أن ينفر إليهم من يكف عاديتهم عن المسلمين ، وهذا لا خلاف فيه بين الأمة إذ ليس من قول أحد من المسلمين إباحة القعود عنهم حتى يستبيحوا دماء المسلمين وسبي ذراريهم” (أحكام القرآن للجصاص : 3/114) . فقول الجصاص : “خاف أهل الثغور” يدل على أن الحرب لم تقع بعد ، وأن هذا الخوف مجرد توقعات وحسابات للقوى ، فإذا قدّر أهل البلاد أنه لا طاقة لهم بالعدو واستنجدوا المسلمين يصبح الجهاد فرض عين على غيرهم ..

قال ابن القيم في الفروسية : “فقتال الدفع أوسع من قتال الطلب وأعم وجوباً ، ولهذا يتعين على كل أحد [و] يَعُمُّ ، ويجاهد فيه : العبد بإذن سيده وبدون إذنه ، والولد بدون إذن أبويه ، والغريم بغير إذن غريمه ، وهذا كجهاد المسلمين يوم أحد والخندق. ولا يشترط في هذا النوع من الجهاد أن يكون العدو ضعفي المسلمين فما دون ، فإنهم كانوا يوم أحد والخندق أضعاف المسلمين ، فكان الجهاد واجباً عليهم ؛ لأنه حينئذ جهاد ضـرورة ودفع لا جهاد اختيار” (انتهى) ..

قال ابن عابدين : “وفرض عين إن هجم العدو على ثغر من ثغور الإسلام فيصير فرض عين على من قرب منه ، فأما من وراءهم ببعد من العدو فهو فرض كفاية إذا لم يحتج إليهم ، فإن احتيج إليهم بأن عجز من كان بقرب العدو عن المقاومة مع العدو أو لم يعجزوا عنها ولكنهم تكاسلواولم يجاهدوا فإنه يفترض على من يليهم فرض عين كالصلاة والصوم لا يسعهم تركه ، وثم وثم إلى أن يفترض على جميع أهل الإسلام شرقا وغربا على هذا التدريج” (وبمثل هذا قال الكاساني ، وابن نجيم ، وابن الهمام من أئمة الحنفية)

قال شيخ الإسلام بن تيمية : ” وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين : واجب إجماعا ، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه ، فلا يُشترط له شرط ( كالزاد والراحلة) بل يدفع بحسب الإمكان ، وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم” (الإختيارات العلمية لابن تيمية ، وهو في الفتاوى الكبرى) ، وقال : “إذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب ، إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة ، وأنه يجب النفير اليه بلا إذن والد ولا غريم ، ونصوص أحمد صريحة بهذا” (الفتاوى الكبرى : 4/608) . وقال (مجموع الفتاوى : 28/358) : “فأما إذا أراد العدو الهجوم على المسلمين فإنه يصير دفعه واجبا على المقصودين كلهم وعلى غير المقصودين، كما قال تعالى {وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر} (الأنفال : 72)” (انتهى) ..

قال التسولي : “إذا نزل عدو بأرض الإسلام أو قريباً منها يريد الدخول إليها فإن الجهاد فرض عين على إمام ذلك البلد وأهله شيوخاً وشباناً أحراراً وعبيداً بل على المرأة إن كانت لها قدرة ، ولا يتوقف قتالهم للعدو النازل على مشورة الإمام ، ولا سيما انه بعد عنهم ، بل إن بعد عنهم ولم يكن لهم إمام : تعيّن عليهم مدافعة العدو ونصب إمام ، فإن لم يقدر أهل البلد مع إمامهم مقاومة العدو تعيّن على أقرب الأئمة إليهم وعلى رعيته أن يُعينوهم ، فإن لم تكن فيهم كفاية ومقاومة أيضا : وجب على من والاهم من أئمة المشرق أو أئمة المغرب إلى سوس الأقصى إلى بغداد وإلى الهند - مثلاً – أن يعينوهم بالجيوش والعدة والعدد ، وإن عصى من والاهم فلم يعن ، تعيّن على من والاه” وكذلك قال ابن جزّي في قوانينه . (انتهى نقلاً عن بغية المساعد في أحكام المجاهد للسنوسي) ..

قال إمام الحرمين الجويني في غياث الأمم : “فأما إذا وطئ الكفار ديار الإسلام فقد اتفق حملة الشريعة قاطبة على أنه يتعين على المسلمين أن يخفّوا ويطيروا إلى مدافعتهم زرافات ووحدانا حتى انتهوا إلى أن العبيد ينسلون عن ربقة طاعة السادة ، ويبادرون الجهاد على الإستبداد ، وإذا كان هذا دين الأمة ومذهب الأئمة فأي مقدار الأموال في هجوم أمثال هذه الأهوال لو مسّت إليها الحاجة وأموال الدنيا لو قوبلت بقطرة دم لم تعد لها ولم توازها” (انتهى) ..

وفي التاج والإكليل لمختصر خليل : أبو عمر : يتعين على كل أحد إن حل العدو بدار الإسلام محارباً لهم فيخرج إليه أهل تلك الدار خفافا وثقالا شبانا وشيوخا ، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج من مقاتل أو مكثر ، وإن عجز أهل تلك البلاد عن القيام بعدوهم كان على من جاورهم أن يخرجوا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة . وكذلك من علم أيضا بضعفهم وأمكنه غياثهم لزمه أيضا الخروج ، فالمسلمون كلهم يد على من سواهم ….. وقال ابن بشير : إذا نزل قوم من العدو بأحد من المسلمين وكانت فيهم قوة على مدافعتهم فإنه يتعين عليهم المدافعة ، فإن عجزوا تعين على من قرب منهم نصرتهم . وتقدم نص المازري : إذا عصى الأقرب وجب على الأبعد” . (انتهى) ..
وانظر هنا إلى قوله “فإن عجزوا تعيّن على من قرب منهم نصرتهم” ، ولم يقل “فإن عجزوا تعين عليهم ترك الجهاد” كما يقول “الجامية” ، فهذه المقولة لم يقلها أحد من علماء السلف ، بل قال ابن حزم رحمه الله “ولا إثم بعد الكفر أعظممن إثم من نهى عن جهاد الكفار ، وأمر بإسلام حريم المسلمين إليهم” (المحلى : ج7) ، وصدق رحمه الله ..

جاء في نهاية المحتاج للرملي (الشافعي) : “فإن دخلوا [الكفار] بلدة لنا وصار بيننا وبينهم دون مسافة القصر فيلزم أهلها الدفع حتى من لا جهاد عليهم ، من فقير وولد وعبد ومدين وامرأة ” (نهاية المحتاج : 8/58)

جاء في حاشية الدسوقي : “ويتعين الجهاد بفجء العدو ، قال الدسوقي : (أي توجه الدفع بفجئ (مفاجأة) على كل أحد وإن امرأة أو عبداً أو صبيا ، ويخرجون ولو منعهم الولي والزوج ورب الدَّين” (حاشية الدسوقي : 2/174) ..

قال ابن رشد : “طاعة الإمام لازمة وإن كان غير عدل ما لم يأمر بمعصية ، ومن المعصية النهي عن الجهاد المتعين” (أنظر فتح العلي المالك للشيخ عليش : 1/390) ..

نأتي إلى سوريا : هل الجهاد في سوريا جهاد دفع أم جهاد طلب !! هل المسلمون في سوريا أتوا من خارجها ليفتحوا هذه البلاد ، أم هم يدافعون فيها عن أنفسهم وأعراضهم وأموالهم ضد النصيرية والروافض !! لا يشك عاقل بأن الجهاد في سوريا جهاد دفع ، أي أن المسلمون فيها يدافعون عن أنفسهم وحريمهم وأموالهم ضد عدو كافر مرتد باتفاق المسلمين ، وجهاد الدفع - كما علمنا – فرض عين على السوريين ، فهل حصلت بالسوريين كفاية وطُرد النُّصيرية والروافض من سوريا بأهل سوريا !! الجواب لا شك أنه : لا .. إذاً ، نقول ما قال جميع علماء الإسلام على مر العصور : إذا لم يستطع المسلمون في سوريا الدفاع عن أنفسهم يُصبح الجهاد فرض عين على المسلمين في البلاد التي تليهم - كجزيرة العرب والعراق وتركيا ولبنان ومصر - وإذا لم ينفر هؤلاء أو لم تحصل بهم الكفاية يُصبح الجهاد فرض عين على الذين يلونهم ثم الذين يلونهم حتى تحصل الكفاية أو يعم الفرض المسلمين في الأرض كلها ، هذا بإتفاق العلماء ، لا خلاف في هذه المسألة بين العلماء قاطبة ..

كون بعض الناس يحرّض الشباب في جزيرة العرب وغيرها على الذهاب إلى سوريا ، هذا من باب التحريض المأمور به شرعاً ، وهو كمن يحرّض الناس على الصلوات الخمس والصيام في رمضان ودفع الزكاة وحج بيت الله الحرام ، وإيهام الناس بأن هذا من التغرير أو الزج بالشباب في حرب لا دخل لهم بها كالقول بتغرير الشباب وإيهامهم بأنهم يضيّعون أقواتهم في الصلوات الخمس أو يجوّعون أنفسهم في رمضان بلا طائل ، فهذا من الكذب على دين الله والتعدّي على نصوص الشرع ، فالتحريض على الجهاد في سوريا اليوم من أوجب الواجبات على العلماء ، وكتمان حكمه من خيانة الدين ، فلا يجوز لعالم كتمان حكم الجهاد في الشام ، والجامية يعلمون يقيناً بأن الجهاد متعيّن في الشام باتفاق العلماء ولكنهم ليسوا على دين هؤلاء العلماء وإنما على دين “آل سعود” الذين يحرّشون بين المجاهدين في الشام ليحصل اقتتال داخلي ويتمكن النصيرية من الشام ، ويتخلصوا من المجاهدين لصالح النصارى ، وحفاظاً على أمن يهود في فلسطين !!

إن واجب العلماء اليوم تحريض الشباب على الجهاد في سوريا ، ولا يُعقل أن ينفر رافضة لبنان واليمن وإيران والعراق لحرب إخواننا في الشام ومساعدة النصيرية في هتك أعراض أخواتنا ثم نتردد نحن في تحريض شباب الإسلام على الدفاع عن أعراض المسلمين بحجة عدم إذن ولي الأمر !! وهل هناك ولي أمر في بلاد العرب يأذن اليوم بالجهاد !! إن عدم إعلان الجهاد من أعظم المعاصي اليوم ، ومنعه أعظم جرماً وكيداً بالإسلام وأهله وتسليماً لأعراض المسلمات ينتهكها الفجار والكفار ، فأي عار يلحق بالعالِم إن هو لم يُبيّن للناس حكم الله تعالى في مثل هذه الأوقات ، وأي إثم يقع فيه !!

فليحذر علماء بلاد الحرمين أن يقعوا فريسة خبث ومكر جهاز استخباراتهم ، فهو الذي يجنّد هؤلاء الجامية ليحقق بعض المآرب الشيطانية خدمة لليهود والنصارى ، فعلى علماء الأمة أن يكونوا على حذر شديد من هذه الألاعيب ، وعليهم أن يعلنوا حكم الجهاد في سوريا بلا تردد ، فلا أقل من أن تخرج الدراسات والبيانات العلمية تُبيّن حكم جهاد الدفع ، ولن يعدم العلماء النصوص من كتب الفقه ، فلا يكاد يخلو كتاب فقه من حكم جهاد الدفع المُجمع عليه ..

والله أعلم .. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ..

كتبه
حسين بن محمود
27 ربيع الأول 1435هـ

تعليقات الفيسبوك

Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com